أمهات وبعد
بقلم: وئام دومة
بقلب أخضر ككلّ البنات، تحلم الواحدة بالزواج والأمومة بكلّ ما تحمله هذه الكلمة من معان صادقة ودافئة.
يوم تصبح البنت “أمّا” يوم لا يمحى من الذاكرة… شهور الحمل والولادة وأولى لحظات الرضاعة… بعد حمله وهنا على وهن، تدخل الأم تجربة فريدة وقودها الفطرة وزادها الاستعانة بالله … تبدأ رحلتها في التربية وما أجلّها من مسؤولية وما أدقّها من مهمة.
وكما أنّ “أمّ كل شيء معظمه”, فالفاتحة أم الكتاب لعظم ما تضمّنته من رسائل الوحي الشاملة، ومكّة أمّ القرى فضّلها الله وشرّفها على سائر بقاع الأرض، هكذا الأمّ في حياة أبنائها، هي الأصل وهي الكلّ بفطرتها وعاطفتها التي أودعها الله فيها. تجدها تحيط بهم من كل جانب، في مؤسسة زوجية من المفترض أنّها قائمة على المشاركة حيث من أهمّ مقاصدها تنشئة جيل صالح سويّ نفسيا، وهذا لن يستقيم إلا إذا تضافرت جهود الزوجين…
لكنّ واقعنا اليوم يضع الأم المعاصرة في تحدّيات كبرى أشقّها تحمّل همّ التربية بمفردها: صلاح أخلاقهم ودينهم… صلاح معيشتهم وصحتهم… تعليمهم وحتّى أوقات فراغهم…مع العناية بمأكلهم ومشربهم ونظافة محيطهم. فما أن ترفع رأسها من شاغل حتى تنغمس في آخر.
في المقابل يكون الوالد منهمكا على حدّ زعمه في كسب رزقه وقوت أولاده فغالبا لا يكلّف نفسه عناء أيّ مهمة متعلّقة بالبيت والأولاد. فالزوجة هي من تخطّط وهي من تتحمّل أعباء عملها وبيتها وأولادها. تتسوّق وتطبخ وتنظّف وتفكّر بالمستلزمات وبدروس الأولاد، تدريباتهم وامتحاناتهم ممّا يتسبّب لها في “عبء ذهني” (une charge mentale) علاوة على الإنهاك الجسدي، فتجد المسكينة نفسها مشتّتة الذهن بين كلّ هذه المهّام ما ينجرّ عنه تعب نفسي يجعلها تقصّر في كلّ ما تلهث وراء إنجازه خاصّة إن رافق هذا منها سعي للمثالية فتزيد الطّين بلّة.
الوالديّة: أي الأمومة والأبوّة مجتمعتين، هي مسؤولية مشتركة يتحمّل فيها الأبوان مهامّهما كلّ بما سخّر الله له، فليس الذّكر كالأنثى كما قال عزّ وجلّ وما القوامة إلا تكليف قبل أن تكون تشريفا.
لعقود متتالية توارثت الأجيال معتقدات لا تمتّ للشريعة بصلة يكون فيها الأب سيّدا على الإطلاق كما هي صورته في المخيال الشعبيّ العربي خاصّة.
لكن في ديننا يكلّف الله عزّ وجلّ الرجل بمهمّة رعاية أهله: ” كلّكم راع وكلّكم مسؤول عن رعيّته” وخاطبه سبحانه مباشرة قائلا “قو أنفسكم وأهليكم نارا وقودها النّاس والحجارة”. فدور الأب لا يقتصر على الرعاية المادّية وتوفير الحاجيات فحسب. فحضوره الفعّال في حياة أولاده ضرورة، حيث أثبتت عدّة دراسات أنّ الأطفال الذين ينشؤون مع أب له بصمته في يومياتهم يكونون أكثر استقلالية لاحقا. بينما سجّلت نسب عالية من الانحراف، الاتكالية وعدم الانسجام عند أولئك الذين كان آباؤهم مشغولين عنهم.
ليست هذه دعوة للآباء أن اتركوا أعمالكم وامكثوا في البيوت لملاعبة الأطفال، إنّما هي دعوة لمراجعة جودة الأوقات التي يمضونها معهم. فأن تمضي ساعة واحدة من يومك بين أولادك تلاعبهم وتداعبهم تنصت لمشاغلهم وتشاركهم تجاربهم خير من ساعات تقضيها إلى جوارهم وأنت لاه بهاتفك أو بحاسوبك، فالمسألة مسألة كيف لا كمّ.
كن مؤثرا، ضع بصمتك ولا تمرّ مرور الكرام. وكما جاء في الأثر: “لاعب ولدك سبعا وأدّبه سبعا وراقبه سبعا ثمّ اترك حبله على غاربه” أي كن صديقه.
أي نعم لعلّ الخمس سنوات الأولى يكون فيها حضور الأمّ طاغيا ومقدّما، مع عدم غيابك التّام عن الصورة طبعا، لكن حتما حضورك في السنوات الموالية ضرورة ملحة.
ليست الأبوّة أن تكون فقط محترما ومبجّلا من قبل أولادك، فالأطفال مجبولون على هذا ولكنّ الأبوّة الحقة هي أن تكون محبوبا، فإنّ “خيركم خيركم لأهله”.
قيّم نفسك بنفسك، تساءل هل وقتك معهم نوعيّ؟ هل تشعر أنّك تبثّ في نفوسهم قيما؟ أم أنّ العلاقة عمودية عبارة عن أوامر ونواهي؟
هل تشارك زوجتك هموم بيتكم؟ هل تدعمها؟ لا تحتاج المرأة في كثير من الأحيان أكثر من الدّعم النفسيّ، أن بارك الله فيك أنا هنا معك…أنا أساندك.
تقاسما الأدوار، رتّب جدول أعمالك على هذا الأساس…كن قائدا وقدوة.
من المبشّرات الملاحظة مؤخرا، سعي الجيل الجديد من الأولياء لبناء عقليات حديثة ومتطورة، تقطع مع الموروث وتبني لبنات صلبة لمجتمع متوازن، أساسه أسرة واعية عمودها أمّ معطاءة وأب داعم ومسؤول.
فإن تحقّق هذا المقصد صار الحديث عن نهضة الأمة وعن جيل النّصرة أمرا ممكنا وواقعيّا.




