التربية الجنسية للأطفال بين ثقافة العيب ومتطلبات المرحلة
بقلم: نجاة حسن
في نهاية المرحلة الثّانويّة، حدّثنا أستاذ الفلسفة عن معرفة العالم. ومن جملة ما أخبرنا به أن لا سبيل إلى ذلك بدون معرفة ذواتنا وأجسامنا.
خمًنتُ وقتها بأنّ هذا ضربٌ من الفلسفة لا يعنيني، حتّى صرتُ أمًّا وبلغ طفلي مرحلة عمريّة لطالما كنتُ أخشاها. أظنّكم خمّنتم، فـ “الحال من بعضه”. لقد صار يحبّ استكشاف جسمه وصرتُ خبيرة في المراوغة: هذا أنفك وهذه عينك وتلك قدمك وأكتفي بما يجنّبني “الحرج”!
وظلّت مقولة أستاذي تتردّد في ذهني، وتذكرت غفلتي أثناء حصص العلوم الّتي كنتُ أتعمّد الثّرثرة فيها حتّى لا يصل مسمعي منها ما “يُخجلني”.
هاهنا رأس الأمر ومربط الفرس! فما أنا فيه من خجل وتخبّط ما كان ليحدُث لو بدأتُ تربية طفلي جنسيًّا بتربية نفسي. فالوعاء الّذي سيغترف منه وينهلُ فارغ لا يحوي ما يجود به.
فكانت لي وقفة مع نفسي حينها.. تداركتُ ما فاتني من علومٍ. تسلّحتُ لما قد يأتيني من أسئلة مباغتة “محرجة”.
تعوّد صغيري ألاّ يغيّر ملابسه أمام أحد. كما تعوّد ألاّ يسمح لأحد أن يتعدّى حدوده لمسًا ونظرًا. وكان يرفض أن يُجلسه أحدهم في حضنه. كان يعرف بأنّ من يتجاوز كلّ هذه الخطوط الحمراء هو المخطئ فلا يخاف ولا يخجلُ من التّصريح بكلّ سلوك يُزعجه ويُريبه..
وأثرينا كلّ هذه المعطيات بمفردات أدقّ فأسمينا كلًّا بمسمّاه العلميّ. وحالما تعرّف على أسماء أعضاء جسمه، أشرتُ إلى أنّ بعضها عورةٌ مغلّظة لا يجوز أن تقع عين أحدٍ عليها إلّا لضرورة كالنّظافة أو التطبيب. هي عورة مغلّظة نبالغ في سترها زيادة عن باقي العورات لكن لا نخجل من وجودها أو الحديث عنها للتّعلّم أو للشّكوى من ألم ألمّ بها.
تجاوزنا تلك المرحلة بسلامٍ.. وجدتُني لا أتحرّج ممّا تلاها.. أتأهّب كلّ يوم لأسئلته.
إن هو سأل أجبتُه وإن لم يفعل أمسكتُ لساني لوقت لاحقٍ.
تتالت أسئلته بريئة نقيّة.. وتدرّجتُ معه تقودني نقاط الاستفهام الّتي يرسمها بسلاسة.. سألني عن الولادة كيف تحدثُ. لم يمنعني سؤاله من قول صادق مبسّط: يخرُج الصّغير من مكانٍ بجانب مكان خروج الحدث الأصغر. يمكثُ في بطن أمّه بضعة أشهر فإذا حان موعد اللّقاء، سخّر الله الأسباب.. تقبّل الأمر ببساطة مريحة. شاهدنا حينها شريطا يشرح حياة الجنين في بطن أمّه وتفكّرنا في قدرة الخالق.
ثمّ شاهدنا آخر عن بقرة حين المخاض وآخر عن ولادة فيل ظريف.
ممتنّة أنا لمثل هذه الفيديوهات الّتي قاسمتني المهمّة. فلم يسألني كيف يتمّ تكوين الجنين في بطن أمّه وأغلبُ ظنّي أنّه اكتفى بما فهم من وثائقيّ موسم تزاوج الطّيور وغيرها من الحيوانات. اكتفى واكتفيتُ. لم يستزدني فلم أزده.
وفعلت ذلك مع تلاميذ لي في سنّ أكبر حين تحدّثنا عن الغُسل وعن الجماع كأحد موجباته. لخّصتُ ذلك في جملة بسيطة لا تحتاج إلى كثير قول: الجماعُ هو التقاء العورتين المغلّظتين بين الزّوج وزوجه، يُوجب الغُسل وقد يُنتج مولودا هو زينة الحياة الدّنيا ويُشبع فطرةً وضعها الله فينا. ولا يكون ذاك إلاّ بميثاقٍ غليظ هو الزّواج، وإلاّ يكون ظلمًا للنّفس وتجاوزًا لحدّ من حدود الله!
لم يكن حديثي علميًّا فقط، بل رافقه و وافقه الجانب الشّرعيّ فوجدتني أحدّثه عن البلوغ وعلاماته وما يترتّب عليه. وكان ذلك بعد أن رآني أشاركه وإخوته طعام الفطور ذات رمضان. فسّرت له الحيض والغسل. وحدّثته عمّا يحدث معه من تعب وتقلّب في المشاعر ولفتُّ انتباهه إلى ضرورة مضاعفة اللّطافة والاحتواء لمن كنّ بمعيّته من النّساء حينها من أمّ أو أخت أو زوجة.
ومن هناك، حدّثته عن علامات البلوغ وبداية التّكليف وما يرفقه من ضرورة غضّ نظر ومن واجب مضاعفة الانتباه لنظافته ومظهره وتعاملاته
كبُر طفلي.. و كبرتُ معه. ظننتُ أنّني أعلّمه فتعلّمتُ منه و اكتشفتُ العالم فيه ومعه. ممتنّة أنا لأستاذي ولطفلي و لأسئلة قد يتهرّبُ منها كُثُرٌ لكنّها لم تزدني إلاّ معرفة بعالمي وعالم طفلي!




