طفل يخطئ .. طفل يتعلّم
بقلم : هدى جمعة
هذا الصّباح شاهدتُ صدفةً فيديو لأختين صغيرتين جميلتين، لا تتجاوز كُبراهما السّادسة من عمرها، توثّق به والدتُهما ما أسمته “روتينهما اليوميّ” لكنّ المحتوى أتى باهتًا خاليا من الحياة، على درجة من المثاليّة الكاذبة والكمال المُنفّر .. أتى معاكسًا لطبيعة الأطفال المنطلقة والفوضويّة، فبدت الطّفلتان كدميتين متحرّكتين فاقدتين للحياة، مقيّدتين بتعاليم وأوامر محدّدة.
لطالما كرهتُ ومازلت، أسلوبَ التّلقين في الشّأن التّعليميّ كما في الشّأن التّربويّ والأخلاقيّ. فكم مِن واعظٍ مُلقَّنٍ صغيرًا، هو عابثٌ متمرّدٌ كبيرًا! وكم مِن حافظٍ مُجلجِلٍ طفلًا، هو خاوٍ فاشلٌ كهلًا!
في المقابل، أحبّذ أن يستشعر الطّفل الأشياء بقلبه، قبل أن يرطنها بلسانه. وأحبّ جدًّا أسلوب الانفعال والتّفاعل.. وأحبّ أن أدفع طفلي في مرحلةٍ أولى إلى التّأمّل في الخلق والفِعل والأحداث والحقّ والواجب وحتّى في الخطأ .. ثمّ وفي مرحلة ثانية إلى التّفاعل والاستيعاب واستخلاص الدّرس. أكره جدًّا أن أحرم الطّفل حقّه في الخطأ؛ سبيله إلى معرفة الصّواب والحكمة!
منذ يومين، أتاني صغيري باكيًا وقد ارتطم رأسه بالكرسيّ جرّاء تهوّره واندفاعه أثناء لعبه مع إخوته. واسيتُه وخفّفتُ عنه ألمه ليفاجئني بقوله: “ماما ترين؟ أنا طفلٌ ناضج .. لم أفعل كما قد يفعل بقيّة الأطفال، بل اعترفتُ بخطئي ولم ألقِ باللّوم لا على إخوتي ولا على (الكرسيّ).” فرحتي به كانت كبيرة، لأنّه أحسن تقييمه لتصرّفه واعترف بخطئه وخرج في النّهاية بمديح ذاتيّ مستحَقٍّ. لستُ أدّعي هنا كمالًا تربويّا، ولكنّه طريقي الّذي ارتأيتُ أن أمشيه ككلّ أمّ، فأصوّب فيه فعلي تارةً وأحسّن من نفسي تارةً أخرى. والله الموفّق.




