وطن الغربة و غربة الوطن
بقلم نجاة حسن
“هل سيكون في قلبه لعائلتي مقدار ما لها في قلبي؟”.. “ماذا عن لغته؟ ودينه؟ وعروبته؟ ماذا سيكون منه تجاههم وهو الغريب في وطن الغربة؟”
أكاد أسمع همساتك وأستشعرها، فقد مررتُ بكلّ هذا وقد تنامى خوفي أوّل أيّام حملي لطفلي رضيعًا بين يديّ.
هوّني عليك!
وسأشاركك كلّ التّفاصيل الّتي رافقتني حتّى اطمأنّ قلبي.
لم يكن طفلي ناطقًا للعربيّة أوّل وثاني زيارة له لبلده حيثُ لم أبدأ في مخاطبته بالفُصحى إلا في تمام عامه الثّاني.. تتالت الزّيارات وتزايد معها حبّ طفلي لها، وتطوّرت لغته ومهاراته في التّواصل. أذكر أنّه قضّى يومين لا يتحدّث إلاّ النّزر القليل مع أترابه في الحيّ، ثمّ انطلق لسانه مرسلاً لا تشوبه شائبة عدا لكنة محبّبة زادته جمالاً وظرافة. صار له أصدقاء يتذكّرهم ويشتاق إليهم ويروي لنا ذكريات لا تفارق مخيّلته معهم. ذكريات! تلك الكلمة المفتاح الّتي أحبّ! أنا صانعة ذكريات أتوكّأ عليها ذات اشتياق وأوثق بها وصال أطفالي ولي فيها مآرب أخرى.. يتذكّرون العائلة وكرمها ومحبّةً منها تغمرهم وإن باعدت بيننا المسافات..
يتذكّرون حنان الأجداد وعطف الخالة وطيبة الأخوال. يتذكّرون جلسة ليليّة في بيت الجدّ تدفئ قلوبهم وتكسب ودّها. يتذكّرون البحر والجولات والزّيارات ويحملون تفاصيلها داخل صندوق ذكرياتهم.
ذات الصّندوق يحوي حفلات الأعياد وزينة رمضان وصوت الإمام عند صلاة التّراويح في بلد الغربة. فغربة الدّين لا يهوّنها إلاّ حمله بتفاصيله وجماله وسماحته حيثما ذهبوا..
لا أريد أن أضع في صندوقهم ذاك ما يُحزنهم أو ينفّرهم؛ أريده صندوقا ورديّا يحمل كلّ جميل ليهرعوا إليه كلّما آذتهم غربتهم يحتمون به أمام كلّ انبتات محتمل.
كبُر أطفالي.. وكبر معهم حبّ الأهل والوطن. وهان خوفي وتكاد هواجسي تتلاشى.
وأنا في غفلة منّي، قاطعني صوت طفلي يبُثّني تنامي شوقه ورغبته في العيش بين أفراد العائلة وأحضان الوطن. وإنّي لأشترك معه في ذات الرّغبة!
لا يخفت صوتُها إلّا بما ألقاه منهم من تأصّل وتجذّر.
كلّ البلاد بلادك بنيّ وحيثُ وُجدت ضع فسيلتك.. وأزهر!



