اسرار لا يقولها الكبار لصغار
بقلم: وفاق عباسية
نتقاسم معهم المخاوف و الحب و الأحلام و الخيالات…لكننا لا نبوح
أخط هده الاحرف, بعد أن تعرضت ابنتي ذات التسع سنوات لنوبة هلع بمجرد أن رأت عنكبوتاً صغيراً في شرفة منزلنا. كنت متعجبة لردة فعلها المبالغ فيها ففي نهاية الأمر هو عنكبوت مليمتري الحجم لا حول له ولا قوة.
“لماذا كل هذا الخوف؟” سألتها. أنت ترتعشين من أجل حشرة! أضفت.
“أنا أعلم أنها حشرة صغيرة لكنني أكره العناكب، لا أطيقها! هي بحجمها هذا كفيل في عيني. أحس برعب شديد لمجرد رؤيتها… أحس أني أنتفض من الرعب.
نظرت لي بانكسارٍ ثم أردفت: “أنتم الكبار لا تشعرون بالخوف لذلك لن تفهموا ما نشعر به نحن الأطفال”. نظرت إليها مبتسمةً وقلت: عزيزتي يبدو أنك تعتقدين أن الكبار أبطالٌ خارقون في حين أننا كنا أطفالاً ذات يوم ونستطيع أن نفهم جيداً ما تشعرون به! نظرت لي باهتمام تطالبني بالمزيد فقلت لها: “حان وقت الاعتراف. اجلسي يا صغيرتي”…
“عندما كنت صغيرةً، في عمرك أو أقل لا أذكر!”
“كنت أخاف الظلام …كنت أتخيل أي شكل أراه مخلوقاً قادماً لالتهامي، وكانت لي قدرة غريبة على رؤية كل جماد كائناً متحركاً ينظر لي من بعيد. كنت أتحاشى أن أطل من وراء غطائي أو أن اذهب إلى الحمام بمفردي
. كنت أخاف الفئران كثيراً ولأني لم أر هذا الكائن إلا مرةً أو مرتين في حياتي فقد كنت أخاف صوره، وحتى الألعاب التي تأخذ شكله. كان يقززني بشكل كبير حتى أني أستطيع أن أقفز رعباً عندما يحمل أحد أترابي فأراً بلاستيكيا من ذيله وتنجح محاولته البائسة في جعلي أرتعش وأصرخ رعباً …
كأختك الصغرى كنت أخاف الفقدان كثيرا، كنت مثلها شديدة التعلق بأمي، أصاحبها كظلها ولا أقوى على فراقها ولو لساعاتٍ قليلة. ما زلت أتذكر كيف تجتاحني نوبة بكاء ما أن تغادر المنزل; كان الجميع يلومني ويقول إنني كبرت على هذه التصرفات وأن لم أعد رضيعةً.
ولأني كنت أخجل من البوح بحقيقة ما أشعر كنت أصمت وأتجرع وحدي مرارة تخيلاتي… تخيلاتي التي تتمحور كلها في كل شر تستطيع أمي أن تتعرض إليه. أقول لك ذلك وأعفيك من التفاصيل. وكان هذا سرا كابدته لسنوات طويلة.
كانت ابنتي تستمع بإمعان شديد وبعينها كنت أرى تطلعها للمزيد.
“هل صدقت أني أفهمك يا حبيبتي؟” أومأت برأسها أن نعم… “كل ما أحاول فعله هو أن أجعلك تتجاوزين مخاوفك مثل ما أفعل.
“هل ما زلت تخافين يا ماما؟” استفهمت.
“نعم” أجبتها إجابة قاطعة حازمةً صريحةً لا يساورها شك.
نحن الكبار نخاف بيد أن خوفنا قد تغيرت ملامحه فما عدنا نتعرف عليه…لا نريد أن نظهر كغصن غض طري بل كشجرة ثابتة.
نحن نخاف على أحبتنا من أثر السنين ونخاف على صغارنا أكثر من خوفنا على أنفسنا بل أصبحنا نخاف على أنفسنا من أجلهم.
نحن نخاف الوحدة ونخشى الألم تماما كطفل في الثالثة.
أتعلمين؟ نحن نبكي يا صغيرتي رجالاً ونساءً. البكاء يريحنا… لكننا لا نبكي علناً بل في غرف مغلقة وكأن الضعف والانكسار ممنوع وبشدة على الكهول.
نحن نكبر كل عام مثلكم , ورغم ذلك مازال في كل واحد فينا طفلٌ صغير يريد أن يلعب، مازال في كل واحد فينا طفل يعشق الأرجوحة ويشعر بغبطةٍ شديدة في الملاهي، مازال فينا طفل يحب الحلوى ويعشق الشوكولاتة، مازال فينا طفل يرسم في أوقات فراغه خربشات بلا معنى أو قلباً وأزهارا. مازال فينا طفل لم يكبر…
كنت أشعر أنا ابنتي على وشك البكاء، عيناها البنيتان تلمعان بشدة كانت تستكثر هذا الكم من الحقائق الغريبة والاعترافات العجيبة عن عالم الكبار. صمتت لبرهة…هل ما أفعله الأن صواب أم خطأ؟ لا أدري! ابتسمت فبادلتها نفس الابتسامة الرقيقة.
“أتعلمين يا ماما كنت أنتظر بفارغ الصبر أن أصبح في عمرك” قالت ببراءة.
“أعلم يا ابنتي كنت مثلك! وها أني اتمنى أن أعود طفلةً مجدداً تحملني أمي إلى الطبيب عندما أمرض وتحرص أن أنهي دوائي ويقرأ لي أبي حكايةً قبل النوم ولا يغادرني حتى يرى النوم قد داعب جفوني. أتمنى أن أعود طفلةً مجدداً لأعيش طفولتي أكثر. وقتها لن أخشى مجرد درجةٍ سيئةٍ في الرياضيات ولن أحزن من أجل صديقة تركت صحبتي من أجل أخرى.
“يبدو أني أسررت لك أكثر مما ينبغي ” أضفت.
“أبداً يا ماما أنا سعيدة بكلماتك انت تفهمين مشاعري وأنا أيضاً ”
ابتسمت ابتسامة عريضةً وقلت كوني أقوى من كل مخاوفك… لا تجعلي منها غولاً وتحدي نفسك! ستنجحين كما نجحت ماما!




